عثمان بن جني ( ابن جني )
458
الخصائص
تنوفة إذا قلت ( تنفىّ ) كقول العرب في الإضافة إلى ( شنوءة ) : شنئىّ . أفلا ترى إلى الصنعة كيف تحيل لفظا إلى لفظ ، وأصلا إلى أصل . وهذا ونحوه إنما الغرض فيه الرياضة به ، وتدرّب الفكر بتجشّمه ، وإصلاح الطبع لما يعرض في معناه وعلى سمته . فأمّا لأن يستعمل في الكلام ( مضرىّ ) من ( ضرب ) ، و ( تنفىّ ) من ( نزف ) فلا . ولو كان لا يخاض في علم من العلوم إلا بما لا بدّ له من وقوع مسائله معيّنة محصلة لم يتمّ علم على وجه ، ولبقى مبهوتا بلا لحظ ، ومخشوبا بلا صنعة ؛ ألا ترى إلى كثرة مسائل الفقه والفرائض والحساب والهندسة وغير ذلك من المركّبات المستصعبات ، ( وذلك ) إنما يمرّ في الفرط منها " 1 " الجزء النادر الفرد ، وإنما الانتفاع بها من قبل ما تقنيه النفس من الارتياض بمعاناتها . * * *
--> ( 1 ) أي في الحين . ويقال : إنما ألقى فلانا في الفرط إذا كنت تلقاه بعد أيام . وتقول أيضا : ألقاه في الفرط بعد الفرط أي في الحين بعد الحين .